ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
326
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
الصور الجزئيّة المتعيّنة ، أو أسباب وشروط كيف شئت ؟ قلت : إلى الغيب والاسم الباطن ، فإذا عرفت هذا . فاعلم أنّ العالم عالمان ما ثم ثالث عالم يدركه الحس وهو : المعبّر عنه بالشهادة ، وعالم لا يدركه الحس وهو : المعبّر عنه بعالم الغيب المطلق . فإن كان مغيّبا في وقت للحسّ فلا يسمّى ذلك غيبا ، وإنّما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس أصلا ؛ لكن يعقل بالعقل ؛ إمّا بالدليل القاطع ، وإمّا بالخبر الصادق وهو إدراك الإيمان ، فالشهادة مدركها الحس وهو طريق العلم ما هو عين العلم ، وذلك يختص بكل ما سوى اللّه ممن له إدراك حسّي ، والغيب مدرك العلم عينه فافهم . فهذا الغيب الذي أثبتناه : هو الغيب المطلق الحقيقي الذي لا يظهر لأحد أصلا ولا لمن ارتضى من رسول ؛ لأنه حضرة ذاته وهويته تعالت وتقدّست عن أن يحاط وأن يتعلّق بها بها الإدراك أصلا من حيث هي هي ، فإنه من المتّفق عليه أن حقيقته لا تحاط بالعلم ولا تتقيّد بالوصف ، سبحانك ! ما عرفناك حق معرفتك . وهذا القدر من المعرفة المتعلقة بهذا الغيب المطلق ؛ إنما هي معرفة إجماليّة حاصلة بالكشف الأجليّ والتعريف الإلهيّ الأعلى الذي لا واسطة فيه غير نفس التجلّي المتعيّن من هذه الحضرة الغيبيّة المطلقة الغير متعينة ؛ فالغيب المتعلّق صار دليلا على الغيب المطلق ؛ لأنه الأصل ، فالمتعين منه دليل عليه من حيث غير متعين ، فكان هو الدليل والمدلول . قال تعالى إشارة إلى هذا المقام : أي الغيب المتعين المقيّد عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا . قال تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً [ الجن : 26 ، 27 ] . وإنما قلنا بالغيب الحقيقي المطلق ؛ لأنه رضي اللّه عنه ذكره في الباب السابع والأربعين وأربعمائة من « الفتوحات » : إن له في نفسه ما لا يصح أن يعلم أصلا هو الذي له